صديق الحسيني القنوجي البخاري

40

فتح البيان في مقاصد القرآن

القادة للأتباع : لا مرحبا بكم وقول الاتباع للقادة بل أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول قولا جامعا بين التخويف والإرشاد إلى التوحيد فقال : قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ أي مخوف لكم من عذاب اللّه وعقابه لا ساحر ولا شاعر كما ادعيتم وإنما اقتصر على الإنذار لأنه إنما يناسبهم الإنذار وَما مِنْ إِلهٍ يستحق العبادة إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الذي لا شريك له الْقَهَّارُ لكل شيء سواه رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا من المخلوقات الْعَزِيزُ الذي لا يغالبه مغالب الْغَفَّارُ لمن أطاعه ، وقيل معنى العزيز المنيع الذي لا مثل له ، ومعنى الغفار الستار لذنوب خلقه ، ثم أمره اللّه سبحانه أن يبالغ في إنذارهم ، ويبين لهم عظم الأمر وجلالته فقال : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أي ما أنذرتكم به من العقاب ، وما بينته لكم من التوحيد هو خبر عظيم ونبأ جليل ، من شأنه العناية به والتعظيم له والاعتناء به أمرا وائتمارا ، وعدم الاستخفاف به ومثل هذه الآية قوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [ النبأ : 1 ، 2 ] ؟ وقال مجاهد وقتادة ومقاتل هو القرآن . فإنه نبأ عظيم لأنه كلام اللّه ، قال الزجاج قل النبأ الذي أنبأتكم به عن اللّه نبأ عظيم ، يعني ما أنبأهم به من قصص الأولين ، وذلك دليل على صدقه ونبوته ، لأنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من اللّه . أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ صفة ثانية للنبأ أو جملة مستأنفة ، وهذا توبيخ لهم وتقريع لكونهم أعرضوا عنه ، ولم يتفكروا فيه ، فيعلموا صدقة ، ويستدلوا به على ما أنكروه من البعث . ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى استئناف مسوق لتقرير أنه نبأ عظيم ، وارد من جهته تعالى ، يذكر نبأ من أنبائه على التفصيل من غير سابقة معرفة به ، ولا مباشرة سبب من أسبابها المعتادة ، فإن ذلك حجة بينة دالة على أن ذلك بطريق الوحي من عند اللّه تعالى ، وأن سائر أنبائه أيضا كذلك ، وأن الأنبياء لا يعلمون الغيب أصلا ، إلا ما يوحى إليهم من جهته سبحانه وتعالى ، والملأ الأعلى هم الملائكة وزاد أبو السعود وآدم عليه السّلام وإبليس عليه اللعنة . إِذْ يَخْتَصِمُونَ أي ما كان لي فيما سبق علم بوجه من الوجوه بحال الملأ الأعلى ، وقت اختصامهم والضمير راجع إلى الملإ الأعلى والخصومة الكائنة بينهم هي في أمر آدم ، قال ابن عباس : قال الملائكة حين شوروا في خلق آدم فاختصموا فيه ، وقالوا : لا تجعل في الأرض خليفة ، وعنه قال هي الخصومة في شأن آدم حيث قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] ؟ وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن نصر في